|
نقد ابن رشد لـ"فيزياء" المتكلمين
ذ. عزيز بوستا
الأشياء الكائنة على جهةِ الاستقامة “مثلَ كَوْنِ إنسانٍ مِنْ
إنسان، وذلك الإنسانُ مِنْ إنسان آخَر” (37) فإنْ كان بالعَرَض عن
فاعل أوَّل “يَفعلُ فعلا لا نهاية له أنْ يَفعل بآلاتٍ متبدلةٍ
أشخاصا لا نهاية لها” (38). أما إنْ كان بالذات “لمْ يَصِحّ أنْ
يَمُرَّ إلى غير نهاية” (39).
وبالإضافة لنظرية الجوهر الفرد، يَعرض ابن رشد لِمَا يسميه
"بالطريقة الثانية" التي يُثبت بها المتكلمون حدوث العالم،
ويُسندُها لأبي المعالي الجويني (40)، وتقوم على مقدمتين:
“إحداهما، أنّ العالم بجميع ما فيه جائزٌ أنْ يَكون على مقابل ما
هو عليه (...) والمقدمة الثانية أنّ الجائزَ مُحْدَثٌ وله مُحْدِث
–أي فاعل- صَيَّرَه بإحدى الجائزيْن أوْلى منه بالآخَر” (41).
وقد اعتبَر ابن رشد هذه الطريقة خَطابية، ومبطِلة لحكمةِ الصانع
التي تَقضِي أنْ يَكون الكونُ قائما على قوانين ثابتة و“أسبابٍ
ضرورية تقتضي وجودَه على الصفة التي هو بها (...) موجود” (42).
فمنطق الجواز المتضمَّن في المقدمتين يُسقط الكونَ في فوضى وجودية
من جهة، ويَجعل العِلم به مستحيلا من جهة أخرى، ما دام العلمُ
بالشيء هو علمٌ بأسبابه (43). وبذلك تنتفي العلاقات السببية بين
الموجودات، فتصبح بكاملها جائزة لا ضرورية، ويكونُ مُرجِّحُ كونِها
على ما هي عليه هو الله تعالى، فيكونُ فِعْله هو الفعل الوحيد
الضروري والفعال لجميع الموجودات على الإطلاق. وهذا ما يجعلنا
نتساءل: ما طبيعة تصور المتكلمين للفعل بأنواعه: الإلهي،
والإنساني، والطبيعي؟ وما هي أهم الانتقادات التي وجَّهها لهم ابن
رشد بخصوص هذا المفهوم؟
مفهوم
الفعل:
أهم ما يميز مفهوم الفعل لدى المتكلمين عموما، هو عدم انسحابه على
الأشياء الطبيعية التي لا تمتلك إرادة، فالفعل في نظرهم لا بد أن
يكون صادرا مِنْ “فاعل مريد قادر مختار حيّ عالِم” (44). وأهم هذه
الصفات لديهم، تتمثل في أن يَكون الفاعل حيّا، لأن “ما سوى الحيّ
فهو جماد وميت، والميتُ لا يَصْدُر عنه فعل” (45). وهم بذلك
يُنكرون صدور الأفعال عن الأشياء الطبيعية (46)، ويقلصون مفهوم
الفعل إلى أقصى الحدود لينحصر فقط في فعل الكائن الحي عموما،
والإنسان على الخصوص.
وقد أقر المتكلمون للإنسان بالقدرة على إصدار أفعال، و"متولدات" عن
هذه الأفعال، رغم اختلافهم في نسبتها إلى الإنسان. فالأشاعرة
يَنسبونها إلى قدرة الله مباشرَة (47)، أما معظم المعتزلة
فيُجَوِّزُون نِسْبَتَها إلى القدرة التي أحدثها الله في الإنسان،
والتي إليها تَرجع أفعاله (48). وهكذا يمكننا أن نقول على
المتكلمين نفس ما قاله باري كوجان على الغزالي، أن مفهوم الفعل
لديهم ضيقٌ وواسعٌ في نفس الوقت؛ هو مفهوم ضيِّق لأنه يتجاهل
الأفعال الملاحَظة في الطبيعة غير الحية، ويَقتصر فقط على من يتصف
بالحياة والقدرة والإرادة. كما أنه واسع، لأنه يُطبِّقُ نفس
المفهوم وبنفس المعايير على عالمين مختلفين: عالم الموجودات
الكائنة/الفاسدة كالإنسان، وعالم الألوهية (49). وهذا ما تفاداه
ابن رشد باعتباره الفعلَ: إخراجا للشيء من القوة إلى الفعل،
والفاعل هو كلُّ ما يَجعلُ أشياء تنتقل من القوة إلى الفعل. وهذا
الإخراج إلى الفعل، لدى ابن رشد، يأتي أحيانا مِنْ إرادةٍ حرة،
وأحيانا مِنَ الطبيعة (50). ويتميز هذا التعريف الرشدي للفعل، كما
يذهب إلى ذلك كوجان، بميزتين: تتجلى الأولى في مساواته بين الفعل
الطبيعي والإرادي، لأنهما معا يمارسان تأثيرا على الأشياء،
والثانية تتمثل في أنه مُصاغ بشكل يجعله قابلا للتطبيق على الفاعل
الأول (الله)، كما يطبَّق على الفاعل في عالم الكون والفساد، دون
أن يضطر إلى عقد أية مقارَنة بينهما (51).
والمتكلمون عموما، والأشاعرة منهم بالخصوص، رغم إسنادهم القدرة على
القيام بالأفعال للإنسان، إلا أنها قدرة مستمَدة من قدرة الله
الفاعل “لجميع الموجودات بلا واسطة” (52)، والقادر على الفعل متى
شاء وكيفما شاء (53). إذ أن الفاعل الحقيقي لديهم و“الخالق المبدِع
ربُّ العالمين، ولا خالق سواه، ولا مخترع إلا هو” (54). وهذا
التأكيد من طرف المتكلمين لأحاديةِ الفعل الإلهي، الذي يَفعل كلَّ
ما في الكون وفق إرادتِه ومشيئتِه وعلمِه المطلق (55). وبذلك تَحدث
كل التغيرات عموما، والكون والفساد بالخصوص، من الفعل الإلهي
مباشرة، دون حاجة إلى موضوع أو مادة حاملةٍ له من جهة، وفي غِنى عن
أيِّ تفاعل محتمَل بين الموجودات، من جهة أخرى. وهذا في رأي ابن
رشد مخالِفٌ لِمَا يشاهَد في العالم الطبيعي من تأثير الموجودات
بعضِها في بعض (56).
وقد ركز ابن رشد انتقاداته لتصور المتكلمين للكون، في مجموعة من
النقاط الجوهرية؛ وهي قولهم بالكون من لا شيء، ونفيهم للسببية
وإنكارهم لتقدم القوة أو الإمكان على الشيء المتكوِّن بالفعل.
ج-
قول المتكلمين بالكون من لا شيء:
قولُ المتكلمين بكون الكائنات من لا شيء يُعتبَر، حسب ابن رشد،
خروجا عن الطبع والعقل، لأن الكائن متغير ضرورة، أما اللاشيء أو
العدم فلا يتغير (57). وبالتالي فإن قولهم هذا “يَلزَمُ عنه ألا
يَكون (العالم) مُكوَّنا، وذلك أن الكون لا يَصِحُّ أن يَكون من
العدم بالذات” (58)، لأن العدم لا ينقلب وجودا (59).
وما جَعَل المتكلمين، في نظر ابن رشد، يدافعون عن الخَلق من عدم،
اعتقادُهم أنّ المُكَوِّن لشيءٍ يَفعل مادتَه وصورتَه، إنْ كان
مركبا، “أو يفعله بجملته إن اعتقدوا أنه بسيط كما يَعتقدون في
الجوهر الذي لا يتجزأ” (60)، أي أن الفاعل يُخرجُ الكائنَ من العدم
إلى الوجود، من اللاشيء إلى شيء معيّن. فهل ينعكس هذا الفعل لدى
المتكلمين عند فساد الشيء، بنقل الفاعل له من الوجود إلى العدم؟
يجيب ابن رشد على هذا السؤال بالنفي، حيث يَنسب لهم القول بـ“أن
الفاعل لا يَقدِر على إعدام الشيء قالوا، لأن فِعْلَ الفاعل إنما
يتعلق بالإيجاد والاختراع لا بالإعدام. فانظر كيف امتنع عندهم نقلة
الفاعل للموجود مِنَ الوجود إلى العدم، ولمْ يمتنعْ عندهم نقلته
مِنَ العدم إلى الوجود؟!” (61). وذلك لأن فعل الفاعل لا يَخلق
العدم، ما دام ـ هذا الأخير ـ يَحْصُلُ عندما يتوقف الفاعلُ على
الاستمرار في خلق الشيء. ففعله الوحيد، على هذا الأساس الاختراع،
أما الإعدام والإفناء فيَعْرضُ للأشياء حينما يَتوقف فعلُ الفاعل
فقط.
وقد أدى هذا التصور لكون الأشياء وفسادِها بالمتكلمين إلى جهل أو
تجاهل ما يوجَد في عالم الكون والفساد “من الأمور الفاعلةِ بعضِها
في بعض ... (فـ) قالوا إن هاهنا فاعلا واحدا لجميع الموجودات كلها
هو المُبَاشِر لها مِنْ غير وَسَط” (62). وذلك ليتجنبوا القول
بتسلسل تأثير الأشياء في بعضها إلى ما لا نهاية، مما يؤدي إلى
مُحال إنكار الفاعل الأول (الله). وهذا، في رأي ابن رشد، كما أشرنا
إلى ذلك سابقا، مخالِفٌ لِمَا يشاهَد من ظواهر طبيعية يؤثر بعضُها
في بعض (63).
وإلى جانب هذه الأدلة العقلية، يورد ابن رشد في نصوص أخرى أدلة
نقلية مستمَدة من ظاهِر الشريعة تفنِّد مزاعمَ المتكلمين في قولهم
بالخَلق من عدم (64)، مبيِّنا أن قولهم هذا راجعٌ لتأويلهم الخاطئ
لِمَا يَنُصُّ عليه ظاهِرُ الشرع، وأن الشريعة لا تحتوي مطلقا في
ظاهرها على ما يدل على خَلق الله للعالم من عدم محض (65). ويورد
ابن رشد بعض الآيات التي يدل ظاهرُها على أن العالم خُلِقَ مِنْ
شيءٍ لا مِنْ عدم محض، حيث يقول: “إن قوله تعالى: "وهو الذي خَلق
السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء" يقتضي بظاهره
أنَّ وُجودا قبْلَ هذا الوجود، وهو العرشُ والماء، وزمانا قبْلَ
هذا الزمان، أعني المقترنَ بصورةِ هذا الوجودِ الذي هو عَدَدُ
حركةِ الفلك. وقوله تعالى: "يَوْمَ تبَدَّلُ الأرضُ والسماوات"
يقتضي أيضا بظاهره أنَّ وجوداً ثانيا بعد هذا الوجود. وقوله تعالى:
"ثم استوى إلى السماء وهي دخان" يقتضي بظاهره أنَّ السماوات خُلِقت
مِنْ شيء” (66).
الصفحات
1 /
2 /
3 /
4 / 5 /
6 /
7 / 8
يمكنكم نشر مقالاتكم في هذا الموقع

أعلى الصفحة
الصفحة
السابقة
SAID ZBAKH, copyright © 2003
http://cfitanger.ifrance.com,
Tous droits réservés. All rights reserved.

|