|
نقد ابن رشد لـ"فيزياء" المتكلمين
ذ. عزيز بوستا
"فالخَلق" والكون، في نظر ابن رشد، لا يَكونُ مِنْ عدم مطلق (67)،
بل مِنْ عدم مضافٍ إلى الوجود (68)، كامن في موجود بالقوة، هو
عبارة عن هيولى؛ أي مادة أولى، أو مادة خاصة. وبذلك يتعلق فِعْلُ
الفاعل لكون الشيءِ بهذه المادة (موضوع الكون) أوّلا وبالذات لا
بالعدم (69). ومن أهم نتائج هذا القول الرشدي/الأرسطي عدمُ الإقرار
ببدايةٍ ونهايةٍ لكون العالم (70)، وهو ما يتنافى مع أطروحة
المتكلمين بخصوص نفس الموضوع، والقائلة بحدوث العالم من عدم، حيث
تتوالى الصور على المادة، لدى ابن رشد، إلى ما لا نهاية، لتشكِّلَ
بذلك المادةُ الينبوعَ الذي ينساب منه الكونُ المتجدد لكل موجوداتِ
هذا العالم الكائن/الفاسد إلى ما لا نهاية له (71).
وإنْ كان الفلاسفة المسلمون (كالفارابي وابن سينا) ـ بقولهم بقِدَم
العالم ـ قد وَقفوا على طرف النقيض مع المتكلمين القائلين بحدوث
العالم، فإن ابن رشد قد حاول التخفيف من حدة هذا الاختلاف بين
الموقفين: الفلسفي والكلامي، بجَمْعِه بين مَعْنَيَيْ حدوثِ العالم
وقِدمِه في صيغةِ "الحدوث الدائم للعالم"، وإرجاعِه الاختلاف
بينهما إلى مجرد اختلاف في التسمية (72). إلا أن موقف ابن رشد
الخاص من هذه المسألة، رغم ما يَلوح منه من نزعة توفيقية تهدف إلى
المصالحة بين الكلام والفلسفة، فإنه يَنِمُّ عن رُؤية جديدة
للموضوع، تحاول الجمع بين أهم ثوابت الفلسفة المشائية؛ كاستحالةِ
الكون من لا شيء، ولانهائيةِ الزمان والحركة، وبين أهم ثوابت الفكر
الديني/الإسلامي كالإقرار بمبدأ خَلق العالم، وعنايةِ الله
المستمرة به، دون السقوط في مُحالات الطرفين (73).
د- مفهوم
"السببية"
لدى المتكلمين:
لا شك أن نفي المتكلمين لوجودِ ترابطٍ بين الأسباب والمسبّبات، كان
منسجما مع تصورهم للعالم عموماً، ولعالم الكون والفساد بالخصوص،
والذي رأينا بعض عناصره فيما سبق. فمن جهة، أدت نظريتهم في الجزء
الذي لا يتجزأ إلى جعل العالم عبارة عن ذَرَّات متماثلة لا قوةَ
فيها على الحركة أو على الفعل والتفاعل، ولا إمكانية فيها
للاستمرار في الوجود. ومن جهة أخرى، ذهب المتكلمون عموماً،
والأشاعرة منهم على الخصوص، إلى أنْ لا فاعلَ في الحقيقة إلا الله،
ولا مؤثرَ في الأجزاء التي لا تتجزأ، وبالتالي في كل الموجودات ـ
أيّا كان هذا التأثير ـ سواه (74).
وإنْ كان المتكلمون عموما، قد ضحَّوْا بوجود علاقات ضرورية بين
الأسباب والمسبّبات من أجل إثبات قدرة الله المطلقة على التأثير
المباشر في جميع الكائنات، فإنهم لم يذهبوا، مع ذلك، إلى حدّ إنكار
وجود أية علاقة بين الأسباب والمسبّبات، نظرا لثبوتها بالمشاهَدة
والحس؛ كارتباط الشبع بالأكل، والارتواء بالشراب. فكيف كان إذن
موقف المتكلمين من هذه المسألة؟ وما هي أهم الانتقادات التي
وجَّهها لهم ابن رشد بهذا الخصوص؟
يتبين من نصوص كثيرة لابن رشد أن محور الموقف الكلامي بخصوص مفهوم
السببية، يتمثل في نفي وجود ارتباط ضروري بين الأسباب والمسبّبات
(75)، وإرجاع العلاقة بينها (أي بين الأسباب والمسبّبات) إلى مجرد
اقتران ينشأ عن العادة (76). وقد حاول فيلسوفنا الكشف على تهافت
هذا الموقف الكلامي بإبراز العواقب "الوخيمة" الناتجة على نفي
السببية، على كل المستويات الإبستمولوجية، والأنطولوجية،
والثيولوجية. وسنعرض فيما يلي لأهم هذه الانتقادات التي يمكن
تصنيفها إلى نوعين: انتقادات فلسفية، وأخرى كلامية (77).
I
- الانتقادات الفلسفية:
1- نفيُ السببية أدى بالمتكلمين إلى إنكار وجود أفعال صادرة عن
الطبيعة، إذ لا فاعلَ في نظرهم إلاّ الحيُّ القادر العالم، و“ما
سوى الحيّ لا يَصدر عنه فعل” (78). وذهبوا، أكثر من ذلك، إلى أن
الأفعال التي تَصدر عن الحيّ في عالم الكون والفساد، لا يفعلها
بالحقيقة، وإنما تقترن به فقط في الشاهد، أما فاعلها الأصلي
والحقيقي فهو الحيّ الذي في الغائب: الله (79).
2- أدى نفي صدور الأفعال عن الطبيعة بالمتكلمين إلى إنكار وجود
الطبائع، فـ“إذا لمْ يكن للموجودات أفعالٌ تَخُصُّها لمْ يكن لها
ذواتٌ خاصة” (80)، فتتماثلُ كلُّ الموجودات ما دامت الاختلافات في
الأفعال غير نابعة منها، فيصبح الموجود شيئا واحدا، فترتفعُ
الأسماءُ والحدود وتنعدمُ المعارفُ والعلوم، مادام العِلم بالشيء
هو علمٌ بأسبابه (81).
3- مادامت الطبائع غير موجودة في نظر المتكلمين، فإنهم اعتبَروا
“جميعَ الموجودات أفعالا جائزة، ولم يَرَوْا أنّ فيها ترتيباً ولا
نظاماً ولا حكمة اقتضتها طبيعة الموجودات” (82)، وجَوَّزُوا أنْ
يوجَد الموجودُ بخلافِ ما هو عليه (83)، مما أدى بهم إلى نفي مبدأ
عدم التناقض (84). والدليل المعتمَد مِنْ قِبَلهم لإثبات ذلك، هو
قولهم بأن الله قادر على جَمْع المتقابلين، وأما عدمُ استساغة
العقل الإنساني لذلك، فيَعودُ في رأيهم إلى أنه "طُبع" على ذلك،
ولو "طُبع" على عكس ذلك لمَا أنكَرَه (85). ويَرى ابن رشد أن قول
المتكلمين هذا يؤدي “ألا يَكون للعقل طبيعة محصّلة ولا للموجودات،
ولا يَكونَ الصدقُ الموجودُ فيه تابعًا لوجودِ الموجودات” (86)،
مما يعني، في نظر فيلسوفنا، فصلاً للعقل عن الموجود، فلا يصبح
العقل مؤهَّلا لتَعَقل الموجود، مادامت مبادئه ومسلماته الأولية
ليست سوى "عادات" طُبع عليها ولا مصداقية لها في ذاتها، ومادامت
الموجودات أيضاً لا ضرورة لوجودها على ما هي عليه، ولا تأثير
لبعضِها في البعض الآخر، ولا نظامَ ولا ترتيبَ يَعودُ إلى طبيعتها
(87). بل إن ابن رشد يذهب أبعدَ من ذلك، إلى القول بأنّ “نفيَ
السببية مناقضٌ لطبيعةِ العقل الإنساني، بل هو نفيٌ للعقل والعِلم
معا” (88).
4-
يَنتقد ابن رشد المتكلمين أيضا، في استعمالهم الغامض والمبهَم
للفظِ "العادة" متسائلا: “ما أدري ما يريدون باسم العادة. هل
يريدون أنها عادةُ الفاعل، أو عادةُ الموجودات، أو عادتنا عند
الحُكم على هذه الموجودات؟” (89). ويَستبعِد أن تكون لله (الفاعل)
عادة، مادام فعله لا يَقبل التغيّر ولا يَخضع للزمان، مُحتجّاً
بالنص القرآني: "ولن تجد لِسُنّة الله تحويلا" (90)، بعكس "العادة"
المكتسَبة بفضل تكرار فعل ما على الأكثر (91). كما ينفي أن تكون
للموجودات عادة، “فالعادةُ لا تَكون إلا لِذِي نَفْس. وإنْ كانت في
غير ذِي نَفْس، فهي في الحقيقة طبيعة..” (92). أما اعتبار العادة
مرتبطة بحُكم الإنسان على الموجودات “فإنّ هذه العادة ليست شيئا
أكثرَ مِنْ فِعْل العقل الذي يقتضيه طبْعُه وبه صار العقلُ عقلا.
وليس تنْكِرُ الفلاسفة مثلَ هذه العادة” (93). وهكذا يُقصِي ابن
رشد مفهوم "العادة" الكلامي من المجال الطبيعي عامة، ومن الموجودات
غير المتنفِّسة خاصة، ليؤكد وجود الطبائع وارتباط الأسباب
بمسبّباتها، لتَحُلَّ الضرورةُ مَحَلَّ العادة (94).
5- أدى إنكار السببية بين الموجودات الطبيعية بالمتكلمين إلى إنكار
وجود القوةِ متقدمة على وجود الشيء بالفعل (95)، حيث قال الأشاعرة
بأن القوة توجَد مع الفعل لا قبْله، أي أنّ إمكانية وجود الشيء،
تتحقق بتزامن مع وجود هذا الشيء، ولا علاقة لهُ بها قبْلَ وجودِه.
مما أدى بهم إلى إنكار وجودِ القوةِ أصلاً، لأنها لا تَجتمع مع
الفعل في نفس الآن وفي نفس الموضوع (96).
وينسجم موقف المتكلمين هذا مع عدم إيمانهم بالطبائع وإنكارهم لوجود
قوَى وخصائص ذاتية في الأشياء، ورفضهم القول بوجود علاقات ضرورية
بين الأسباب والمسبّبات (97)، وذلك ليَخْلصُوا إلى “أنّ الطبيعة لا
عمل لها أصلاً، بل يَعودُ عملها إلى الله مباشرة” (98).
الصفحات
1 /
2 /
3 /
4 /
5 / 6 /
7 /
8
يمكنكم نشر مقالاتكم في هذا الموقع

أعلى الصفحة
الصفحة
السابقة
SAID ZBAKH, copyright © 2003
http://cfitanger.ifrance.com,
Tous droits réservés. All rights reserved.

|