التدريس...موقع تربوي يعمل على نشر المواضيع المتعلقة بالتربية والتعليم لمراكز التكوين

 

 نقد ابن رشد لـ"فيزياء" المتكلمين
                                             
ذ. عزيز بوستا

ومن الحجج التي ردّ بها ابن رشد على منكري تَقَدُّم القوةِ على الفعل، والتي استمدها من فلسفةِ معلمه الأول أرسطو، قوله إن إنكار وجود القوة يؤدي إلى اعتبار البنَّاء مثلا “حينما لا يَبْنِي ليس له قوةٌ على البناء، لأنه إنما توجَد له القوةُ على البناء في وقتِ البناء” (99). لذلك يَلزمُهم المُحالُ التالي، وهو “أنه لا يَصدقُ على البَنَّاء أنه بنَّاءٌ إذا لم يكن يَبْنِي، وذلك في غاية الشناعة” (100). فيَستوي البنَّاءُ الذي لا يَبْنِي مع مَنْ ليست له مهنة البناء، ويَستوي الجاهلُ مع العالِم الذي يتوقفُ عن مزاولةِ صَنْعَتِه (101).

ويَرى ابن رشد أنّ ما جَعَلَ المتكلمين يَنفون وجودَ القوة، هو قولهم “إنّ الفاعل إنما يَفعل بالاختراع والإبداع مِنْ لا شيء” (102)، وبشكل مباشر وبدون وساطة، "وأنّ فِعْلَ هذا الفاعل الواحد يتعلق في آن واحد بأفعال متضادةٍ ومتفقةٍ لا نهاية لها، فجَحَدُوا أنْ تَكون النارُ تحرق،  والماءُ يَرْوي، والخبزُ يُشبع قالوا، لأن هذه الأشياء تَحتاج إلى مبدِع ومخترع، والجسمُ لا يبدِع الجسمَ ولا يَخترعُ في الجسم حالا مِنْ أحواله، حتى قالوا إنّ تحريك الإنسان الحَجَرَ بالاعتماد عليه والدفع له ليس هو الدافعُ، لكنّ ذلك الفاعلَ هو المخترعُ للحركة. فإنَّ الاعتماد على الحَجَر لا يَخترعُ منه حركة لمْ تَكنْ، وجَحَدُوا لِمَكانِ هذا وجودَ القوة” (103).

ويَلزم المتكلمين، في نفيهم لوجود القوةِ متقدمة على وجود الشيء بالفعل مُحالٌ آخَر، وهو أنْ لا يَكون الشيءُ ممكنا قبل وجوده. وما ليس ممكنا قبل وجوده يُعدّ ممتنعاً، والممتنعُ يستحيلُ وجودُه. أما قولهم بأنّ الإمكان يوجَد مع الفعل، فمستحيل أيضا، لأن الإمكان والفعل متناقضان ولا يجتمعان في آن واحد. لهذا يَلزمُ هؤلاء المتكلمين حسب ابن رشد “ألا يوجَدَ إمكانٌ،  لا مع الفعل، ولا قبْله” (104).

ويشير ابن رشد إلى أن المتكلمين عموما، والأشاعرة منهم بالخصوص، لم يَفهموا من مفهوم الإمكان والقوة إلاّ الإمكان الذهني المطلق، والنابع من إرادة الله المطلقة، وهو إمكانٌ لا يستحيل تحققه إن شاء الله ذلك. ولو انتقل الشيء “مِنْ طبيعةِ الامتناع إلى طبيعةِ الوجود وهو مثلُ انقلابِ الضروريِّ ممكنا” (105). والإلزام الذي أدى بالمتكلمين إلى هذا القول، يتمثل، حسب ابن رشد في اعتقادهم بأنّ استحالة وجود الممتنع غيرُ جائز، وإلا اعتَبَرْنا اللهَ عاجزاً عن فِعْل ذلك. كما أن القول بالتقدم الزماني لإمكانيةِ وجودِ الشيء على تحققه الفعلي يؤدي، في نظرهم، إلى تجويز انتقال “القديم (=الله) من العجز إلى القدرة” (106).

يَعتبر ابن رشد قول المتكلمين هذا خارجا عن حدود التفكير المنطقي والعقلاني، فـ“جَحْدُ تقدُّم الإمكان للشيء الممكن جَحْدٌ للضروريات” (107)، كما “لا يُسمَّى عاجزاً مَنْ لم يَقدرْ على فِعْل الممتنِع” (108). لأن هذه المسلمات والضروريات هي التي تمثلُ القوانينَ الثابتة المنظمة للموجودات، اقتضتها حكمة الله في مخلوقاته، ووجودُها في العقل الأزلي (الله) هو علة وجودِها في الموجودات، وبإدراكها يعتبَر العقلُ عقلا في الإنسان (109). كما أنّ “ترتيب الأسباب ونظامَها هو الذي يَقتضِي وجودَ الشيء في وقتٍ ما، أو عدمَه في ذلك الوقت” (110). فحكمة الله، في نظر ابن رشد، تتجلّى في سَنِّه للقوانين التي لا تَحِيدُ كلُّ الموجودات عن الانقياد لها، والتي لا تتناقض مع الضروريات الأساسية التي يَقوم عليها التفكير العقلاني المتطابق مع معقولاته، على طريقةِ الفلسفة المشائية (111). وذلك عكس التصور الأشعري الذي لم يشأ تقييد الفاعل الأول (=الله) بأيّة ضرورة أيّاً كان مصدرُها، مما دعا فيلسوفنا ـ في نقده لموقفهم هذا ـ إلى اعتبار “الفاعل [لديهم].. متسلطا على الموجودات مِثلَ المَلِك الجائر، وله المَثلُ الأعلى، الذي لا يَعتاصُ عليه شيءٌ في مملكته ولا يُعرَفُ منه قانونٌ يَرجعُ إليه ولا عادةٌ. فإن أفعال هذا الملك يَلزمُ أنْ تَكون مجهولة بالطبع، وإذا وُجد عنه فِعْلٌ كان استمرارُ وجودِه في كل آن مجهولا بالطبع” (112).

ونظرا لِمَا لمفهوم الإمكان والممكن (الذهني والمطلق) لدى الأشاعرة من انعكاسات خطيرة على المستويين المعرفي والأنطولوجي، كما رأينا ذلك سابقا، قام ابن رشد بتصحيح وتحديد معناه الحقيقي بدقة، تفاديا للمُحالات اللازمة عن قولهم، حيث رأى أن حدّ الممكن “هو المعدومُ الذي يَتهيأ أنْ يوجَد وألا يوجَد. وهذا المعدوم الممكن ليس هو ممكنا مِنْ جهةِ ما هو معدوم ولا مِنْ جهةِ ما هو موجود بالفعل، وإنما هو ممكن مِنْ جهةِ ما هو بالقوة” (113). وما دام العدم يُضَادُّ الوجود، وليس يمكن لأحدهما أن ينقلبَ إلى ضده “وَجَبَ أنْ يَكون القابلُ لهما شيئا ثالثا غيرَهما، وهو الذي يتصف بالإمكان والتكوُّن والانتقال مِنْ صفةِ العدم إلى صفة الوجود” (114)، وهذا الشيء لا يُعتبَر معدوما ولا موجودا بالفعل، وهو المادة الأولى، أو الهيولى التي هي علة الكون والفساد (115).

وهكذا يتبين مما سبق، أن نفي الأشاعرة لوجود القوة يؤدي إلى عدم اعتبار "الكون" انتقالا للموجودات من "الوجود بالقوة" إلى "الوجود بالفعل"، وعدم اعتبار "الفساد"، عكس ذلك، انتقالا لها من "الوجود بالفعل" إلى "الوجود بالقوة"، كما يؤدي إلى نفي المادة الأولى التي تعدُّ موضوع النقلة، وإنكار وجود الصانع (116). كما أن عدم إقرار الأشاعرة (ومعهم الغزالي) بمبدأ القوة، جَعَلهم لا يستسيغون قولَ الفلاسفة بقِدَم الحركة من جهة، وحدوثِها من جهة ثانية (117)، لأن إدراك “التمييز بين حركةٍ لا متناهيةٍ بالقوة وأخرى متناهية بالفعل يقتضي وجودَ قابل أصيل لهما يتمثل عند أرسطو بالهيولى الأولى الأزلية: قديمةٍ كليةٍ بالجنس، حادثةٍ جزئيةٍ بالنوع” (118).

وعلاوة على هذه الانتقادات الفلسفية، يوجِّه ابن رشد للمتكلمين انتقادات أخرى كلامية، محتجّا بنصوص مستمَدّة من الكتاب المقدس، دفاعا عن الحتمية السببية، يمكن إجمالها في ثلاث نقاط، وهي:

* إن نفي السببية وضرورتَها يتناقض مع ما جاء في الآية القرآنية: "ولن تَجدَ لسُنّة الله تبديلا ولن تَجدَ لسُنّة الله تحويلا..." (119).

* إن نفي الحتمية السببية يَجعل الدلالة على وجود الله أمرا متعذرا (120)، لأن هذا الترابط الضروري بين الأسباب والمسبّبات هو، في رأي ابن رشد، الحجة لإثبات وجود الله. يقول ابن رشد بهذا الصدد: “والقولُ بنفي الأسباب في الشاهِدِ ليس له سبيلٌ إلى إثباتِ سببٍ فاعل في الغائب، لأن الحكم على الغائب مِنْ ذلك إنما يَكون مِنْ قِبَل الحُكم بالشاهِد. فهؤلاء [يعني الأشاعرة] لا سبيل لهم إلى معرفة الله تعالى، إذ يَلزَمُهم ألا يَعترفُوا بأنّ كلَّ فعل له فاعل...” (121).

* وأخيرا فإن هذا النفي يؤدي حتما إلى الدهرية، لأن العالم، إذا كان ممكنا وليس ضروريَّ الجَرَيَان، فإنّ ذاتَه لا تَتَضَمَّن أدنى حكمة”، (ن. م. ص). كما أن انعدام السببية الطبيعية يؤدي إلى انعدام ضرورةِ وجود الصانع أو الفاعل لهذا العالم. يقول ابن رشد : "وبالجملة، متى رَفَعنا الأسباب والمسبّبات، لم يَكن هاهنا شيءٌ يًرَدّ به على القائلين بالاتفاق، أعني الذين يقولون لا صانعَ هاهنا، وإنما جميعُ ما حَدَثَ في العالم إنما هو عن الأسباب المادية، لأن أحدَ الجائزيْن أحَقُّ أن يَقع على الاتفاق منه أنْ يقع على فِعْل مختار...” (122).


الهوامش:

1) بينيس، س. S. Pines: مذهب الذرة عند المسلمين وعلاقته بمذاهب اليونان والهنود، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1946، ص: 2. انظر أيضا: الأشعري، أبو الحسن: مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري، من إملاء الشيخ الإمام أبي بكر بن فوْرَك، تحقيق دانيال جيماريه، دار المشرق، بيروت، 1987، ص: 202-203. ويرى بينيس أن لمصطلح "الجزء الذي لا يتجزأ" عند المتكلمين المسلمين عدة مرادفات مثل: "الجوهر الفرد"، و"الجزء الواحد"، و"الجوهر الواحد الذي لا ينقسم". “كما استعملوا لفظي الجزء والجوهر باختصار”، م. م، ص: 4.

2) بينيس س. S. Pines: م. م، ص: 27.

3) فان أيس: "ملاحظات حول الأخذ ببعض أفكار الفلسفة اليونانية في علم الكلام المبكر"، ضمن: أعمال ندوة الفكر العربي والثقافة اليونانية، ص: 250.

4) فان أيس: م. م، ن. ص. ويضيف إلى الفكرة السابقة قوله: “إن الأجزاء إذا ما اتخَذت حجما وحيِّزا، فإنما ذلك متعلق بإرادة الله. والأجزاء لا تملك حجما من تلقاء نفسها إلا إذا تألفت مع غيرها. ولكن لا يمكن حصولُ ذلك إلا بالخَلق الذي مصدرُه الله. إن التأليف عَرَضٌ، وبمجرد أنْ يَفْصِل الله تأليفَ مجموعة من الأجزاء بعضِها عن بعض فإنّ كلها يَصِيرُ إلى العدم، كما يُعدَمُ الشيء الذي انبثق عنها”، ن. م. ص.

 

الصفحات   1  /  2 3  /  4  /  5  /  6  /  7  /  8

يمكنكم نشر مقالاتكم في هذا الموقع

 أعلى الصفحة              الصفحة السابقة

 

 

SAID ZBAKH, copyright © 2003 http://cfitanger.ifrance.com,
Tous droits réservés. All rights reserved.  IDDN Certification
 

 

   
 

 

 

 

 

   












نقد ابن رشد لـ"فيزياء"    المتكلمين

             عزيز بوستا
أستاذ بمركز تكوين المعلمين والمعلمات بطنجة
شعبة علوم التربية